أبو علي سينا

81

القانون في الطب ( طبع بيروت )

كانت الاستقامة مؤدية إلى المقصود من أقرب الطرق ، وهناك يكون التأثير الفائض من المبدأ أقوى ، إذ كانت الأعصاب الحسية لا يراد فيها من التصليب المحوح إلى التبعيد عن جوهر الدماغ بالتعريج ليبعد عن مشابهته في اللين بالتدريج ما يراد في أعصاب الحركة ، بل كلما كانت ألين كانت لقوة الحس أشدّ تأدية . وأما الحركية فقد وجهت إلى المقصد بعد تعاريج تسلكها لتبعد عن المبدأ وتندرج في التصليب . وقد أعان كل واحد من الصنفين على الواجب منه من التصلّب والتليين جوهر منبته إذ كان جل ما يفيد الحس منبعثاً من مقدم الدماغ . والجزء الذي هو مقدم الدماغ ألين قواماً ، وجلّ ما يفيد الحركة منبعثاً من مؤخر الدماغ ، والجزء الذي هو مؤخر الدماغ أثخن قواماً . الفصل الثاني تشريح العصب الدماغي ومسالكه قد تنبت من الدماغ أزواج من العصب سبعة : فالزوج الأوّل مبدؤه من غور البطنين المقدمين من الدماغ عند جواز الزائدتين الشبيهتين بحلمتي الثدي اللتين بهما الشمّ ، وهو عظيم مجوف يتيامن النابت منهما يساراً ويتياسر النابت منهما يميناً ، ثم يلتقيان على تقاطع صليبي ، ثم ينفذ النابت يميناً إلى الحدقة اليمنى ، والنابت يساراً إلى الحدقة اليسرى ، وتتسع فوهاتهما حتى تشتمل على الرطوبة التي تسمّى زجاجية . وقد ذكر غير " جالينوس " أنهما ينفذان على التقاطع الصليبي من غير انعطاف وقد ذكر لوقوع هذا التقاطع منافع ثلاث : إحداها : ليكون الروح السائلة إلى إحدى الحدقتين غير محجوبة عن السيلان إلى الأخرى إذا عرضت لها آفة ، ولذلك تصير كل واحدة من الحدقتين أقوى أبصاراً إذا غمضت الأخرى ، وأصفى منها لو لحظت ، والأخرى لا تلحظ ، ولهذا ما تزيد النقبة العنبية اتساعاً إذا غمضت الأخرى ، وذلك لقوة اندفاع الروح الباصر إليها . والثانية : أن يكون للعينين مؤدّى واحد يؤديان إليه شبح المبصر فيتحد هناك ويكون الإبصار بالعينين إبصاراً واحداً ليمثل الشبح في الحد المشترك ، ولذلك يعرض للحول أن يروا الشيء الواحد شيئين عندما تزول إحدى الحدقتين إلى فوق ، أو إلى أسفل ، فيبطل به استقامة نفوذ المجرى إلى التقاطع ، ويعرض قبل الحد المشترك حد لإنكار العصبة . والثالثة : لكي تستدعم كل عصبة بالأخرى وتستند إليها وتصير كأنها تنبت من قرب الحدقة . والزوج الثاني من أزواج العصب الدماغي منشؤه خلف منشأ الزوج ، الأول ومائلا " عنه إلى الوحشيّ ويخرج من الثقبة التي في النقرة المشتملة على المقلة فينقسم في عضل المقلة . وهذا الزوج غليظ جداً ليقاوم غلظه لينه الواجب لقربه من المبدأ فيقوى على التحريك وخصوصاً إذ لا معين له ، إذ الثالث مصروف إلى تحريك عضو كبير هو الفك الأسفل فلا يفضل عنه فضلة بل يحتاج إلى معين غيره كما نذكره .